النووي
291
المجموع
والدليل عليه قوله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ، ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ) وسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة ، والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة عظيمة وكنت ممن حاص ، فلما برزنا قلت كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بغضب ربنا فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا وقلنا نحن الفرارون ، فقال لا بل أنتم العكارون ، فدنونا فقبلنا يده فقال إنا فئة المسلمين . وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إنا فئة كل مسلم ، وهو بالمدينة وجيوشه في الآفاق ، فإن ولى غير متحرف لقتال أو متحيزا إلى فئة أثم وارتكب كبيرة . والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الكبائر سبع أولهن الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا ، وفرار يوم الزحف ، ورمى المحصنات وانقلاب إلى الاعراب ، فإني غلب على ظنهم أنهم ان ثبتوا لمثليهم هلكوا ففيه وجهان ( أحدهما ) أن لهم أن يولوا لقوله عز وجل ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ( والثاني ) أنه ليس لهم أن يولوا وهو الصحيح لقوله عز وجل ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ) ولان المجاهد إنما يقاتل ليقتل أو يقتل وان زاد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين فلهم أن يولوا ، لأنه لما أوجب الله عز وجل على المائة مصابرة المائتين دل على أنه لا يجب عليهم مصابرة ما زاد على المائتين . وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ( من فر من اثنين فقد فرو من فر من ثلاثة فلم يفر ) وان غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون فالأفضل أن يثبتوا حتى لا ينكسر المسلمون ، وان غلب على ظنهم أنهم يهلكون ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه يلزمهم أن ينصرفوا لقوله عز وجل ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ( والثاني ) أنه يستحب أن ينصرفوا ولا يلزمهم ، لأنهم ان قتلوا فازوا بالشهادة وان لقى رجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب ، فإن طلباه ولم